الجاحظ
95
الحيوان
وعلى شبيه بذلك كان عمر - رضي اللّه عنه - أمر بذبح الدّيكة وأمر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بقتل الكلاب [ 1 ] . قالوا : ففيما ذكرنا دليل على أنّ أكل لحوم الكلاب لم يكن من دينهم ولا أخلاقهم ، ولا من دواعي شهواتهم . ولولا ذلك لما جاء الأثر عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلم - وعمر وعثمان - رضي اللّه تعالى عنهما بذبح الدّيكة والحمام ، وقتل الكلاب . ولولا أنّ الأمر على ما قلنا ، لقالوا : اقتلوا الدّيوك والحمام كما قال : اقتلوا الكلاب . وفي تفريقهم بينها دليل على افتراق الحالات عندهم . قال : حدّثني أسامة بن زيد ، وإبراهيم بن أبي يحيى ، أنّ عثمان شكوا إليه الحمام ، وأنّه قال : « من أخذ منهنّ شيئا فهو له » . وقد علمنا أنّ اللفظ وإن كان قد وقع على شكاية الحمام ، فإن المعنى إنّما هو على شكاية أصحاب الحمام ؛ لأنّه ليس في الحمام معنى يدعو إلى شكاية . قال : وحدّثنا عثمان قال : سئل الحسن عن الحمام الذي يصطاده النّاس ، قال : لا تأكله ، فإنّه من أموال الناس ! فجعله مالا ، ونهى عن أكله بغير إذن أهله . وكلّ ما كان مالا فيبيعه حسن وابتياعه حسن . فكيف يجوز لشيء هذه صفته أن يذبح ، إلّا أن يكون ذلك على طريق العقاب والزّجر لمن اتّخذه لما لا يحلّ ! ! . قال : ورووا عن الزّهري عن سعيد بن المسيّب قال : نهى عثمان عن اللعب بالحمام ، وعن رمي الجلاهق . فهذا يدلّ على ما قلنا . 678 - [ أمن حمام مكة وغزلانها ] والناس يقولون : « آمن من حمام مكّة ، ومن غزلان مكة » [ 2 ] . وهذا شائع على جميع الألسنة ، لا يردّ أحد ممن يعرف الأمثال والشّواهد . قال عقيبة الأسديّ لابن الزّبير : [ من الكامل ] ما زلت مذ حجج بمكة محرما * في حيث يأمن طائر وحمام فلتنهضنّ العيس تنفخ في البرا * يجتبن عرض مخارم الأعلام [ 3 ] أبنو المغيرة مثل آل خويلد ؟ ! * يا للرّجال لخفّة الأحلام !
--> [ 1 ] انظر ما تقدم في الفقرة ( 225 ) . [ 2 ] المستقصى 1 / 9 ، ومجمع الأمثال 1 / 87 ، والدرة الفاخرة 1 / 69 . [ 3 ] البرا : جمع برة ، وهي الحلقة في أنف البعير « القاموس : برّ » .